1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

العراق:التغيير أو الفشل

٦ أكتوبر ٢٠١١

يرى نـزار حيدر أن الطبقة السياسية التي تتولى الحكم في العراق تعاني من أزمة ثقة، بين بعضها من جانب، وبينها وبين الشعب من جانب آخر، ويذهب إلى أن عقدا من الزمن سيمر عليها في السلطة والمشاكل باقية بلا حل.

https://p.dw.com/p/RpO9
مجلس النواب في احدى جلساتهصورة من: AP

الطبقة الفاشلة

أولا: فشلت هذه الطبقة في حل مشاكلها فيما بينها ، ومن الأدلة القاطعة على ذلك هو عدم تقديم الوزارة لبرنامجها الحكومي لحد الآن، وهي من العجائب والغرائب المضحكة، فضلا عن عدم اكتمال الحقائب الوزارية لحد الآن، والسبب، هو انعدام الثقة بالمطلق فيما بينها، على الرغم من أن جلها عملت سوية في صفوف المعارضة أيام النضال السلبي لعقود طويلة.

ثانيا: لم تتعامل كرجال دولة، اذ لا زالت عقلية المعارضة هي الحاكمة على تصرفاتها وطريقة تعاملها مع القضايا، لدرجة أن الدولة العراقية تحولت الى (جزر) او (كانتونات) دينية ومذهبية ومناطقية واثنية وحزبية، لا يوحدها الانسجام الوطني باي شكل من الاشكال، ما اضاع هيبة الدولة، ولعل من اكبر الأدلة على ذلك هو عدم تعاملها مع الراي العام العراقي بصراحة وشفافية معقولة.وقد صارالكذب في أحاديثهم وتصريحاتهم ووعودهم هو الأساس، ولذلك فقدوا مصداقيتهم عند الناس وأضاعوا ثقة الشارع بهم، فلا حديث يصدق ولا وعد يطمأن اليه ولا كلمة شرف يهدا لها بال.

ثالثا: هي مأزومة ومسكونة بمخلفات الماضي، ولذلك لا تتصرف بعقلية وواقعية، وانما بردود افعال وتشنج وفي احيان كثيرة بتخبط.

رابعا: لايزال الكثير منها يحن إلى الماضي، فيتصرف بإرادة، ومع سبق الإصرار، من يريد إعادة العراق الى العهد الماضي، لانه لم يقتنع بعد بالنظام الديمقراطي الذي حل محل النظام الديكتاتوري الشمولي.انه يضع يدا في الدولة وأخرى مع أعدائها، خاصة الإرهابيين من أيتام النظام البائد والتكفيريين، حتى تحول بعضهم الى جسر يربط بين الجانبين، فهو يساهم في التخريب أكثر من مساهمته في الاصلاح والبناء.

خامسا: لم تنجح في إثبات ولائها الوطني فلكل هوى خارج الحدود، والذي انتج هذا الضعف والهزال في السياسة الخارجية لدرجة ان الكل بات يهدد العراق ويتوعد شعبه، فيما استخدم آخرون الآلة العسكرية والمياه والحدود كأدوات للابتزاز.

سادسا: لا تفكر الا في مصالحها الذاتية وامتيازاتها الخاصة، ولذلك اثرت ثراءا فاحشا على حساب المال العام، فزادت الطبقية الاجتماعية والاقتصادية بدرجة مهولة، وقد سعت لان تحصل على كل امتيازاتها فيما لازالت الكثير من عوائل الشهداء، ممن قدموا (5) شهداء واكثر زمن نظام الطاغية الذليل لازالت تركض بمعاملاتها متنقلة بين دوائر الدولة من دون ان يحصلوا على أي حق من حقوقهم التي أقرتها لهم الدولة.اما المتقاعدون، الذين افنوا عمرهم في خدمة البلد، فيعيشون ضنك العيش، فيما يحصل الواحد منهم على (80%) من مرتبه كتقاعد بالإضافة الى حزمة الامتيازات الغريبة حتى لو خدم اشهرا معدودة في الدولة.

سابعا: فشلت في تحقيق اعظم اهداف النظام الديمقراطي والتي نص عليها الدستور في المادة (37) أولا: الف، بما يلي: (حرية الانسان وكرامته مصونة) الا وهو هدف تمتع المواطن بالحياة الحرة الكريمة، فاين كرامة نصف مليون مواطن لا يجدون قوت يومهم الا في المزابل؟ هذا في العاصمة بغداد لوحدها، ناهيك عن بقية المحافظات الأخرى؟

نظام المحاصصة أس المشكلة

ولسنا بحاجة الى كثير عناء لنشخص اس المشكلة في كل هذا، والذي يعود الى نظام المحاصصة الذي أنتج ثالوثا مرعبا راح ينشر بأجنحته الثقيلة على العراق، واقصد به (الجهل والفساد والارهاب) .

فمع قرب انتهاء المئة يوم الثالثة، تضاعف الفساد المالي والإداري ثلاثة اضعاف او اكثر، فيما عاد الارهاب يضرب في الاتجاهات الأربعة كما لو انه يريد ان يذكرنا بالماضي القريب الذي حصد الأرواح ودمر البنى التحتية بشكل لم يشهده العراق إلا في زمن الحروب العبثية التي كان يفرضها الطاغية الذليل صدام حسين على العراق وشعبه وجيرانه.

العراقيون اليوم، وللأسف الشديد، يقفون ازاء هذه الحقيقة، وليس امامهم الا احد خيارين، فاما التغيير والإصلاح لانقاذ الديمقراطية والنظام السياسي الجديد، او ترك الحبل على الغارب وليحصل ما يحصل.

لا اعتقد بان عاقلا سيختار الطريق الثاني، وهكذا بقي أمامنا طريق واحد وهو البحث عن سبيل الإصلاح السياسي الذي سيجر الى الإصلاح على المستويات الأخرى.

ان الاصلاح مطلوب منه ان يقضي على نظام المحاصصة، فلا زال هذا النظام هو المعمول به في العراق الجديد، لذلك لا يمكن ابدا ان نحلم بنجاح او استثمار او امن او اعادة بناء او قضاء على الفساد المالي والاداري او تحسين في الخدمات او تطوير في التعليم والصحة والزراعة والبيئة، وحتى في علاقاتنا مع دول الجوار والمجتمع الدولي. ان الحال في العراق لا يمكن ان يظل على ما هو عليه الان لعقد آخر من الزمن، فاما ان يتغير الحال نحو الافضل او اننا سنفشل في تجربة النظام الديمقراطي وللاسف الشديد، ولا اريد هنا ان احمل المسؤولية لأحد بعينه، فكل الطبقة الحاكمة مسؤولة وان بنسب متفاوتة، فالمسؤولية هنا تشاركية بكل معنى الكلمة، لا يقدر احد منهم على الهروب منها باي حال من الأحوال.

الكفاءات موجودة وليست حصرا على الحكام

ان العراق ليس بلدا عقيما ابدا، فهو يمتلك من الكفاءات والخبرات والخيرين والكفوئين من اذا اتيحت لهم الفرصة فسيغيرون اشياء كثيرة، أما القول بان هذه الطبقة السياسية اكتسبت خبرة خلال وجودها في السلطة طوال هذا الوقت فلماذا نخسر الخبرة المتراكمة ونبدأ من الصفر؟ فالجواب على ذلك:

ألف: ومن قال ان هذه الطبقة اكتسبت خبرة؟ لو كان الأمر كذلك لبان في مشاريعها وانجازاتها وعلاقاتها ولقادت العراق الى النجاح.

باء: والى الحريصين على عدم ضياع الخبرة، اطمئنهم، بان العراقيين سوف لن يفرطوا بخبرة احد اذا ثبت لهم انه اكتسب خبرة ايجابية خلال وجوده في السلطة.

جيم: أخيرا، من قال ان بقية العراقيين ليس لهم خبرة أفضل مما عند الطبقة الحاكمة؟ الفرق هو ان هؤلاء أتيحت لهم الفرصة اما غيرهم فلم تتح لهم الفرصة لحد الآن، افسحوا لهم المجال، اذن، ليظهروا خبراتهم.

أن جل هذه الطبقة الحاكمة، لم تكن تمتلك اية خبرة في الإدارة والسلطة، خاصة وان جلهم قضى عمره في صفوف المعارضة يقاتل ويجاهد ضد نظام الصنم الذي سقط في التاسع من نيسان عام 2003، الا انه اكتسب الخبرة من خلال التجربة، فلماذا يحتكر الفرصة لنفسه ولا يمكن، بتشديد الكاف، غيره منها؟ خاصة بعد ان ثبت بالتجربة بأنه فشل في تحقيق برنامجه الانتخابي او الحكومي؟

التغيير يبدا، اذن، من تغيير مجلس النواب، ولا يمكن تغيير الاخير الا بتغيير قانون الانتخابات، ولذلك فان الانطلاق بعملية التغيير برمتها تبدا من تغيير قانون الانتخابات، فهي الخطوة الاولى على طريق مسير الف ميل ، إن المطلوب هو إجراء التغيير التالي في قانون الانتخابات، لضمان تحقيق الآتي:

نتائج تغيير نظام الانتخابات

الف: صوت واحد لمواطن واحد، فلا يجوز التلاعب بالأصوات بأي شكل من الأشكال.

باء: الغاء حصر الترشح ضمن القوائم، ليحق لكل مواطن ان يرشح نفسه للانتخابات سواء كان فردا او قائمة، وهذا الامر يتطلب الغاء نظام القاسم الانتخابي، واحتساب اغلبية الأصوات حصرا كمعيار للفائزين من المرشحين المتنافسين في الدائرة الواحدة.

جيم: تقسيم العراق الى عدد من الدوائر الانتخابية يساوي عدد مقاعد البرلمان، مع التفكير الجدي بتقليص العدد الحالي والذي يكلف الدولة الكثير من الاموال الطائلة على حساب المشاريع الحيوية التي يحتاجها المواطن والبلد، خاصة وان ما لا يقل عن ثلث الاعضاء عادة ما يتغيبون عن جلسات مجلس النواب فلماذا يحجزون مقاعدهم تحت قبة البرلمان؟ الا ان يكون ذلك من اجل التمتع بالامتيازات فحسب . ان العدد االكبير لمقاعد البرلمان يعقد عملية الرقابة والتشريع بدرجة كبيرة، ولذلك سعت الدول المتحضرة التي يحكمها النظام الديمقراطي الى ان تقلل من عدد مقاعد برلماناتها قدر الامكان، ما يساعد المشرعين على انجاز عملهم التشريعي والرقابي بطريقة اسهل واسرع وأفضل واكثر شفافية.

ان مثل هذا التقسيم للدوائر الانتخابية يساهم في:

الف؛ حصر الفساد الانتخابي، مثل عمليات شراء الأصوات وبيعها وعمليات التزوير وامثالها، في دوائر ضيقة، ما يمكن الرأي العام من مراقبة المفسدين واللصوص بشكل أفضل.

باء؛ تقليل نفقات الحملات الانتخابية الى اقل مستوياتها، لان المرشح سوف لا يكون مضطرا لصرف الاموال الطائلة على الدعاية للوصول الى عدة ملايين ناخب لتعريفهم ببرنامجه الانتخابي، فالدائرة الواحدة، حسب الدستور العراقي، ستتكون من مئة الف ناخب فقط، من السهل على المرشح ان يصل اليهم واحدا واحدا ولذلك فسوف لن يضطر لصرف الاموال الطائلة للوصول اليهم. لم نسمع في كل دول العالم المتحضر والديمقراطي، ان حزبا ما قدم اكثر من مرشح في دائرة انتخابية واحدة، ليتنافسوا فيما بينهم، الا في العراق، وهي من الاشياء المضحكة في ديمقراطيتنا، لان الدوائر الانتخابية واسعة جدا، ولان الحزب او الكتلة مشتتة غير قادرة على التحكم بمرشحيها.

ان الكثير من اعضاء مجلس النواب، وبدورتيه الحالية والسابقة لم يحجزوا مقاعدهم الا بسبب ولائهم لهذا الزعيم او ذاك، وفي احيان كثيرة بسبب العلاقات الاسرية، ولذلك فان النائب لا يفكر ابدا في ان يتجاوز (الزعيم) الضرورة باي شكل من الأشكال لانه يشعر بانه ولي نعمته وانه صاحب الفضل عليه في الوصول الى البرلمان، ولطالما شكى لي نواب من عجزهم عن ابداء آرائهم بحرية او التصويت او الامتناع بحرية، خوفا من بطش (زعيم) القائمة او زبانيته، الذي يمارس سياسة تكميم الافواه كلما أحس بخطر.وان برلمانا يخضع لزعماء الكتل، يعجز عن محاسبة احد، فاذا كان كذلك اضاع احد اهم مهامه الدستورية الا وهي مهمة الرقابة على الاداء.

من يستطيع أن يضغط باتجاه التغيير

بقي ان نعرف من هي الجهة القادرة على ان تمارس الضغط بكل الطرق المشروعة لاجبار مجلس النواب، او بالأحرى لاجبار قادة الكتل على تغيير قانون الانتخابات؟.

طبعا هناك عدة جهات قادرة على ذلك اولها المرجعية الدينية، فهي تتحمل المسؤولية الاكبر. ولكن لا يكفي ان تتخذ المرجعية الموقف السلبي من (الزعماء) فترفض مثلا استقبالهم او الاجتماع بهم او ما اشبه، بل ان عليها، على ما اعتقد، ان تتقدم خطوة أخرى الى الأمام كالتهديد بمقاطعة الانتخابات القادمة.

كذلك، فان لمنظمات المجتمع المدني دور مهم في هذا الصدد، الى جانب الاعلام الذي يجب ان يشن منذ اللحظة حملة منظمة لصالح تغيير قانون الانتخابات، فالوقت ليس لصالح احد، ويلزمنا ان لا ندعهم يسوفون للوصول الى الربع ساعة الاخيرة من عمر البرلمان، كما حصل في المرة السابقة.

ان العملية السياسية برمتها على كف عفريت، ولقد بدا الشارع العراقي يتململ كثيرا من الوضع، وان اخشى ما اخشاه هو ان يعبر عن تململه بموقف معاد للانتخابات فيمتنع عن الحضور عند عتبة صناديق الاقتراع في المرة القادمة.

نزار حيدر

مراجعة ملهم الملائكة