1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

هل النظام العراقي ديمقراطي؟

٦ أكتوبر ٢٠١١

يتساءل د.عبد الخالق حسين وكثيرون غيره، هل النظام الذي تأسس في العراق على أنقاض حكم صدام هو نظام ديمقراطي؟ بل وراح الحكام العرب، وإعلامهم، يصورون العراق الجديد وكأنه بعبع، وصندوق شر فتحه جورج بوش.

https://p.dw.com/p/RpOM
ساسة العراق، ابتسامات رغم عمق الخلافاتصورة من: AP

بعد إسقاط نظام صدام الذي أبقى صندوق الشر مغلقا بقوة القمع، انطلقت الشرور تعيث في البلاد والمنطقة فساداً وقتلاً وتدميراً، لذا يحذر الحكام شعوبهم من هذا المصير، ولسان حالهم يقول: نعم نحن سيئون، ولكن البديل سيكون أسوأ، أنظروا إلى حال العراق، وما حل به بعد إزاحة الطاغية صدام.

غني عن القول، أن التوقعات المبالغ فيها من المستحيل تحقيقها، فحتى الدول الغربية لم تحقق الديمقراطية بسهولة وسلاسة وسرعة، بل مرت بصعوبات بالغة وببطء عبر حروب خارجية، وأهلية طاحنة. لذا فشعب العراق الذي مر بكل هذه الكوارث عبر تاريخه الطويل، لا يمكن أن ينتج ديمقراطية ناضجة بين عشية وضحاها. فالديمقراطية عملية تراكمية، تنمو مع الزمن ومع الممارسة.

إن الذين يحاولون الطعن بالديمقراطية والاستهانة بها، يتحججون على ما حصل بعد التحرير من حوادث العنف، والانقسامات الدينية والمذهبية والأثنية، مع إنكارهم الشديد لوجود هذه العيوب في السابق، ويدعون أنها وليدة اللحظة، وكذلك الصراع والمنافسة الشرسة بين قيادات القوى السياسية على السلطة والنفوذ. لذلك، راحوا يروجون بعدم وجود الديمقراطية في العراق، وإن وجدت فهي ديكتاتورية بغطاء ديمقراطي! وأن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات..، وكالعادة في هذه الحالات، حاولوا توظيف اللغة لهذا الغرض، فقاموا بتفريغ كل مكسب ديمقراطي من فحواه، واخترعوا مفردات لوصف الحكم بأنه ديكتاتوري، وأن الوضع لا يقل بشاعة عن ديكتاتورية صدام حسين، بل هو أبشع من ذلك بكثير، لأنه على حد قولهم، كان في عهد البعث صدام واحد، واليوم عندنا أكثر من ألف صدام!!، بل وحتى راحوا يطلقون على الحكم الجديد تسميات كانوا يطلقونها على النظام الإسلامي في إيران، مثل "حكم الملالي والمعممين"، رغم أن غالبية أعضاء الحكومة والبرلمان هم علمانيون.

ما هو النظام الديمقراطي؟

هو نظام حكم من الشعب وإلى الشعب، ودستور يصوت عليه الشعب باستفتاء عام، والذي يمثل العقد الاجتماعي بين الشعب والسلطة. يعني حكم الأغلبية السياسية مع احترام حقوق الأقلية، أي حكومة ينتخبها أبناء الشعب عبر صناديق الاقتراع بشكل دوري، فيختارون ممثليهم، أي النواب (أعضاء البرلمان)، وهؤلاء بدورهم يختارون السلطة التنفيذية، وهم الذين يسنون القوانين وفق الدستور. ومن سمات الدولة الديمقراطية أيضاً، الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، ووجود أحزاب سياسية، ومنظمات المجتمع المدني، واحترام حقوق الإنسان، وإعلام حر، وحرية التعبير والتفكير، والتظاهر والإضراب، وحرية المعتقد الأديان...الخ . لذا نسأل هنا: هل تحققت هذه الشروط في العراق؟

إذا أردنا الإنصاف، فالجواب نعم، تحققت كل هذه الشروط، ولكن المشكلة هي الكثرة المفرطة في عدد الأحزاب، فالعيب هنا ليس في غياب الأحزاب والتعددية، بل في كثرتها المفرطة، أي بدلاً من أن ينظم الناس أنفسهم في أحزاب قليلة وكبيرة ذات وزن مؤثر، هناك المئات منها، بل ولأول مرة في العراق نسمع بوجود نحو عشرة أحزاب ماركسية علنية تمارس معارضتها للسلطة بكل حرية. لذلك، وفي هذه الحالة، من المستحيل أن يفوز حزب لوحده، أو تحالف معين بالأغلبية المطلقة، أي أكثر من 50% من مقاعد البرلمان. لذا، فالعيب ليس في الديمقراطية، بل العيب في تشرذم القوى السياسية إلى تنظيمات صغيرة لا حول لها ولا قوة، وهم الذين لا يعرفون قواعد اللعبة الديمقراطية وكيفية ممارستها.

ولكن هذا لا يجب أن يدفعنا إلى التشاؤم، وأن كل شيء قد انتهى، فالحاجة أم الاختراع، والسياسية فن الممكن، والناس يتعلمون من أخطائهم تدريجياً، لذا فقد انتظمت هذه الأحزاب، والكيانات السياسية في تحالفات وكتل، إذ تشكلت بعد الانتخابات الأخيرة، ثلاثة تحالفات كبرى، وهي: التحالف الوطني (دولة القانون والإئتلاف الوطني)، التحالف الكردستاني، وتحالف "العراقية"، كما وتوجد تحالفات صغيرة أخرى. كذلك نلاحظ أنه رغم المنافسة الشديدة بين قيادات هذه التحالفات على قمة السلطة، وهذه مسألة طبيعية في الأنظمة الديمقراطية، إلا إنه وللأمانة التاريخية، نقول، لم تحصل صراعات دموية بين هذه الكتل، بل الجميع ملتزمون بحل صراعاتهم بالوسائل السلمية.

تناقض وازدواجية المعايير

ولكن المشكلة، أنه رغم ادعاء قادة الكتل بأن غرضها ليس المناصب، بل خدمة الشعب، إلا إنهم في الحقيقة تحاول كل كتلة الفوز بأكبر عدد من المناصب الوزارية، لذلك نحن أمام تناقض وازدواجية المعايير والسلوك من قبل السياسيين..

كذلك حققت المرأة في العراق الجديد انتصاراً تاريخياً في المشاركة السياسية، فلها 25% من المقاعد البرلمانية والوزارية كحد أدنى، ودون تحديد الحد الأعلى.

أما إذا جئنا إلى الصحافة، فهناك المئات منها، وعشرات الفضائيات والإذاعات، ومعظمها تابعة للقطاع الخاص، تمارس نشاطاتها بمنتهى الحرية وبدون رقابة، بدليل أن هناك بعض الصحف تهدد الحكومة بإسقاطها وتنشر المقالات النارية التحريضية ضد رئيس الحكومة دون أية مساءلة، بل وحتى توجيه تهمة الاغتيالات ضدها... الخ، وهي حرية لا سابقة لها في العراق قبل 2003. وأما التظاهرات ضد الحكومة، فحدث عنها ولا حرج، وحتى إذا ما فشلت تظاهرة لعدم حضور عدد كبير، فيلقون فشلهم على الحكومة وعلى المرجعيات الدينية!!

وإذا كانت هناك تجاوزات وضغوط على بعض الحريات مثل ملاحقة محلات بيع تسجيلات الموسيقى والأغاني، أو فرض الحجاب على النساء، أو الاعتداء على الأقليات الدينية، فهذه ليست صادرة من الحكومة، أو أية جهة رسمية، بل هي جرائم ترتكبها عصابات الإرهاب والجريمة المنظمة، وبعض مليشيات الأحزاب الدينية.

متى يصلح الشعب للديمقراطية؟

إن أعداء الديمقراطية في العراق يروجون بأن الشعب العراقي غير مهيأ للديمقراطية بعد، وأنه يجب تثقيف الشعب أولاً، ثم منحه الديمقراطية!!. نسي هؤلاء السادة أن يسألوا أنفسهم: ومن هي الجهة المخولة لإصدار هكذا حكم بأن هذا الشعب أو ذاك قد بلغ سن الرشد، وصالح لممارسة الديمقراطية أم لا، وفي أية مرحلة ثقافية نضع الخط الفاصل بين الشعب الملائم وآخر غير الملائم للديمقراطية؟

ذكرناً في مقالات سابقة، أن الديمقراطية مثل السباحة، لا يتعلمها الإنسان عن طريق قراءة الكتب، بل بالممارسة، ومن حق الناس أن يتمتعوا بالحرية، بما فيها حرية ارتكاب الخطأ، لأن الإنسان يتعلم من أخطائه.

لذلك فما يجري في العراق من صراعات سياسية، عبارة عن دورات تدريبية عملية للجماهير والقوى السياسية، في تعلم قواعد اللعبة الديمقراطية وممارستها، فالناس تتعلم من أخطائها.

الاستنتاج

لو اعتمدنا على أقوال المؤدلجين في نوعية الديمقراطية التي يريدونها للعراق، فلا توجد في العراق ديمقراطية!، بل الوضع هو أسوأ من حكم البعث الصدامي، كما يروجون، لأن هؤلاء لا يعترفون بأية ديمقراطية ما لم تكن وفق مقاسات أيديولوجياتهم، مثل الديمقراطيات الشعبية في أوربا الشرقية قبل انهيار جدار برلين، والتي أثبتت الحقائق أن تعبير "الديمقراطية الشعبية" ما هو إلا الاسم المهذب للدكتاتورية البشعة. وفي عرفهم، أن الديمقراطية الغربية، هي خدعة من الأنظمة الرأسمالية "المتوحشة" للضحك على الشعوب ونهب خيراتها واستعبادها!!

و لكن إذا توخينا الحقيقة والإنصاف، والاعتماد على الشروط المطلوبة للديمقراطية الحقيقية التي وضعها فلاسفة التنوير، مثل: الانتخابات، وتعددية الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، وحرية الإعلام، والتعبير والتفكير، والتظاهر، والإضراب، واحترام حقوق الإنسان، والتملك...الخ، وهي متوفرة وبإفراط بشهادة المنصفين المحايدين من الغربيين، مثل السفير الفرنسي، وممثل الأمم المتحدة في العراق وغيرهما، فإن النظام العراقي الحالي هو ديمقراطي بكل معنى الكلمة.

د عبد الخالق حسين

مراجعة ملهم الملائكة